كريم نجيب الأغر
587
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
إلا ما أنبت اللحم وأنشز العظم » [ أخرجه أحمد ح 58 ] ، وتقدير الحديث الأخير أنه لا يحرم من الرضاع إلا [ اللبن ] الذي ينبت اللحم وينشز العظم « 1 » . كذلك ، فإن ظاهر الحديث : « إن اللّه تعالى إذا أراد خلق النّسمة فجامع الرجل المرأة طار ماؤه في كل عرق وعصب منها » [ رواه الطبراني ح 21 ] يشير إلى أن الماء يطير ( أي ينتشر ) في كلّ عرق من عروق المرأة ( حيث إن ضمير الهاء في كلمة « منها » يعود إلى المرأة ) ، وهذا يستحيل عقلا . ولكي يصح معنى الحديث ويصبح مقبولا ، فلا بد من تقدير ، وذلك بأن يقدر أن ماء المرأة هو المعني ، فيصبح معنى الحديث : طار ماء الرجل في كل عرق وعصب من [ ماء ] المرأة « 2 » . وأما ظاهر النص القرآني الكريم : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ( 5 ) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ ( 6 ) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ ( 7 ) [ الطارق : 5 - 7 ] فيشير إلى أن الماء الدافق يخرج من مكان ما يقع ما بين الصلب والترائب ، والحقائق العلمية اليقينية لا تشير إلى هذا ، بل إلى أن الماء الدافق يخرج من إحليل الرجل ومبيض المرأة ، وأن مكونات الماء الدافق تخرج من مكان ما يقع ما بين الصلب والترائب ، ولذلك لا بد من تقدير ومفاده : خلق من ماء دافق ، تخرج أعضاؤه [ أو مكوناته ] من بين الصلب والترائب . ونعطي مثالا آخر : فظاهر الحديث : « ليس ذلك بالحيض إنّما هو عرق » [ أخرجه أحمد ح 27 ] ينص على أن الدم الذي يتكلم عنه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هو العرق ، وهذا يستحيل عقلا وشرعا ، ولا بد من تقدير ليصبح الكلام مقبولا وتقديره : ليس ذلك بالحيض إنما هو [ دم ] عرق « 3 » . وأما دلالة المفهوم فتقسّم إلى نوعين : 1 - مفهوم الموافقة ( ويسمى : دلالة النص عند علماء الحنفية ) : وهو دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق ( أي معنى المنطوق الذي يشير إلى الظاهرة الكونية ) ، للمفهوم ، المسكوت عنه ، لاشتراكهما في علة ( وفي مجال الإعجاز العلمي في القرآن والسنة : لاشتراكهما في صفة ) يفهم كل عارف باللغة أنها مناط الحكم ( أي
--> ( 1 ) انظر مبحث « رعاية الخلق : الرضاعة » للتعليق على الأحاديث : « لا تحرّم المصّة ولا المصّتان » [ أخرجه أحمد ح 60 ] ، و « لا يحرّم من الرّضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي ، وكان قبل الفطام » [ أخرجه الترمذي ح 56 ] ، و « لا يحرّم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم وأنشز العظم » [ أخرجه أحمد ح 58 ] . ( 2 ) انظر مبحث « اختلاط عروق النطفة » . ( 3 ) انظر مبحث « ازدياد الأرحام وغيضها » .